سيد قطب
1195
في ظلال القرآن
كما يستشهد المسلم بكتاب اللّه وآياته ! وأهل الكتاب - من صليبيين وصهيونيين - من وراء هذا كله ؛ ومن وراء كل وضع وكل حكم يقام لمثل هذه الأهداف الخبيثة ! وحين يقرر السياق أن هذا الكتاب أنزله اللّه مفصّلا ؛ وأن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من اللّه بالحق ، يلتفت إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ومن وراءه من المؤمنين به ؛ يهون عليه وعليهم شأن التكذيب والجدل الذي يجدونه من المشركين ؛ وشأن الكتمان والجحود الذي يجدونه من بعض أهل الكتاب : « فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ » . . وما شك رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولا امترى . ولقد ورد أنه - صلى اللّه عليه وسلم - عندما نزل اللّه عليه : « فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ . لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ » . . قال : « لا أشك ، ولا أسأل » . ولكن هذا التوجيه وأمثاله ؛ وهذا التثبيت على الحق ونظائره ؛ تدل على ضخامة ما كان يلقاه - صلى اللّه عليه وسلم - والجماعة المسلمة معه من الكيد والعنت والتكذيب والجحود ؛ ورحمة اللّه - سبحانه - به وبهم بهذا التوجيه والتثبيت . . ويمضي السياق في هذا الاتجاه ؛ يقرر أن كلمة اللّه الفاصلة قد تمت ؛ وأنه لا مبدل لها بفعل الخلق ، بالغا ما بلغ كيدهم : « وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا ، لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . . لقد تمت كلمة اللّه - سبحانه - صدقا - فيما قال وقرر - وعدلا - فيما شرع وحكم - فلم يبق بعد ذلك قول لقائل في عقيدة أو تصور أو أصل أو مبدأ أو قيمة أو ميزان . ولم يبق بعد ذلك قول لقائل في شريعة أو حكم ، أو عادة أو تقليد . . ولا معقب لحكمه ولا مجير عليه . . « وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . . الذي يسمع ما يقوله عباده ، ويعلم ما وراءه ، كما يعلم ما يصلح لهم ، وما يصلحهم . وإلى جانب تقرير أن « الحق » هو ما تضمنه الكتاب الذي أنزله اللّه ، يقرر أن ما يقرره البشر وما يرونه إن هو إلا اتباع الظن الذي لا يقين فيه ؛ واتباعه لا ينتهي إلا إلى الضلال . وأن البشر لا يقولون الحق ولا يشيرون به إلا إذا أخذوه من ذلك المصدر الوحيد المستيقن ؛ ويحذر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يطيع الناس في شيء يشيرون به عليه من عند أنفسهم ؛ مهما بلغت كثرتهم ؛ فالجاهلية هي الجاهلية مهما كثر أتباعها الضالون : « وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ » . . ولقد كان أكثر من في الأرض - كما هو الحال اليوم بالضبط - من أهل الجاهلية . . لم يكونوا يجعلون اللّه هو الحكم في أمرهم كله ، ولم يكونوا يجعلون شريعة اللّه التي في كتابه هي قانونهم كله . ولم يكونوا يستمدون تصوراتهم وأفكارهم ، ومناهج تفكيرهم ومناهج حياتهم من هدى اللّه وتوجيهه . . ومن ثم كانوا - كما هو الحال اليوم - في ضلالة الجاهلية ؛ لا يملكون أن يشيروا برأي ولا بقول ولا بحكم يستند على الحق ويستمد منه ؛ ولا يقودون من يطيعهم ويتبعهم إلا إلى الضلال . . كانوا - كما هم اليوم - يتركون العلم المستيقن ويتبعون الظن والحدس . . والظن والحدس لا ينتهيان إلا إلى الضلال . . وكذلك حذر اللّه رسوله من طاعتهم واتباعهم كيلا يضلوا عن سبيل اللّه . . هكذا على وجه الإجمال . وإن كانت المناسبة الحاضرة حينذاك كانت هي مناسبة